تشهد مدينة عفرين وريفها شمال سوريا عودة تدريجية لآلاف العائلات التي هجّرت خلال السنوات الماضية، في مشهد يعكس نهاية مرحلة نزوح طويلة، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن واقع معقد يعيق استقرار العائدين ويؤخر عودة الحياة الطبيعية إلى المنطقة.
فبعد أكثر من ثماني سنوات على التهجير، بدأت دفعات من أهالي عفرين بالعودة إلى مدنهم وقراهم، حيث تشير تقديرات حقوقية إلى عودة ما بين 3400 و3800 عائلة حتى الآن، فيما لا تزال آلاف العائلات الأخرى تنتظر العودة من مناطق شمال وشرق سوريا، خصوصاً من الحسكة وكوباني وديرك.
وبحسب منظمة حقوق الإنسان عفرين – سوريا، فإن العدد الكلي للعائلات الراغبة بالعودة يصل إلى نحو 8800 عائلة، ما يعكس حجم التهجير الذي طال المنطقة خلال السنوات الماضية، واستمرار ارتباط آلاف العائلات بأمل العودة إلى مناطقها الأصلية.
ورغم هذا الحراك، يواجه العائدون تحديات متعددة، في مقدمتها ملف السكن واستعادة الممتلكات. إذ تؤكد شهادات محلية أن عدداً كبيراً من المنازل ما يزال يشغله سكان جدد، بعضهم مرتبط بفصائل مسلحة، ما يخلق حالة من التوتر القانوني والاجتماعي حول ملكية البيوت وحق العودة.
وتقول شيراز (43 عاماً)، وهي إحدى العائدات، إنها رغم امتلاكها وثائق تثبت ملكيتها لمنزلها في ناحية شيه، إلا أنها لم تتمكن من استعادته حتى الآن، بسبب وجود عائلة أخرى داخله ورفضها الإخلاء، ما دفعها للعيش في منزل مستأجر مؤقتاً بانتظار حل قضيتها.
كما يشير عائدون آخرون إلى أن بعض المنازل تعرضت لأضرار كبيرة أو فقدان محتوياتها، ما يجعل العودة إليها غير ممكنة دون إعادة تأهيل مكلفة، في وقت ارتفعت فيه أسعار الإيجارات بشكل ملحوظ داخل المدينة وقراها، لتصل في بعض الحالات إلى ما بين 150 و300 دولار شهرياً، وهو مبلغ يفوق قدرة العديد من العائلات العائدة حديثاً.
إلى جانب ذلك، ما تزال خمس قرى في عفرين خارج نطاق العودة الفعلية، بعد تحويلها إلى قواعد عسكرية منذ عام 2018، وهي: باصلة، جلبرة، شيخ خورز فوقاني، ديوش، وجيه، ما يمنع سكانها الأصليين من الوصول إلى منازلهم حتى الآن.
وتصف جهات حقوقية هذه التطورات بأنها من أبرز العقبات أمام تحقيق “عودة آمنة وكاملة”، معتبرة أن استمرار وجود هذه الملفات دون حلول جذرية يهدد استقرار المنطقة ويؤخر إعادة إعمارها اجتماعياً واقتصادياً.
في المقابل، تشير تقارير محلية إلى محاولات محدودة لمعالجة بعض القضايا، من خلال اجتماعات بين مسؤولين محليين وأطراف معنية بملف السكن، إضافة إلى نقاشات حول حالات رفض إخلاء المنازل من قبل بعض العائلات المرتبطة بفصائل مسلحة، والتي تطالب بمبالغ مالية مقابل مغادرتها.
ورغم هذه الخطوات، يرى ناشطون أن المعالجات ما تزال جزئية ولا ترتقي إلى مستوى الأزمة، خاصة في ظل غياب آليات واضحة لحماية حقوق العائدين وضمان استعادة ممتلكاتهم دون شروط.
ويؤكد عائدون وحقوقيون أن الحل يتطلب ترتيبات أمنية وقانونية شاملة، تضمن إنهاء ملف السكن العالق، وتأمين الخدمات الأساسية، وتهيئة بيئة مستقرة تسمح بعودة جميع المهجرين دون استثناء.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى عفرين أمام مرحلة حساسة تجمع بين بداية عودة تدريجية من جهة، واستمرار عراقيل سياسية وأمنية واجتماعية من جهة أخرى، ما يجعل ملف المهجرين أحد أبرز القضايا المفتوحة في شمال سوريا حتى اليوم.
ROZ PRESS NEWS