تدخل عملية الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة مرحلة حساسة بعد مرور أربعة أشهر على انطلاقها، وسط استمرار النقاشات حول مستقبلها السياسي والعسكري، ومدى قدرتها على إعادة رسم شكل العلاقة بين دمشق والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.
ومنذ توقيع اتفاق 29 كانون الثاني، اتُّخذت خطوات ميدانية وسياسية عدة، شملت وقف إطلاق النار، وعقد اجتماعات مشتركة، وإعادة تنظيم بعض الملفات الأمنية والعسكرية، في وقت ما تزال فيه التحديات والخلافات قائمة حول قضايا أساسية تتعلق بالإدارة والتمثيل ومستقبل القوات العسكرية.
تعود جذور هذه العملية إلى سلسلة تطورات إقليمية بدأت منذ أواخر عام 2023، مع تصاعد الحرب في غزة عقب هجوم حركة حماس على إسرائيل، وما تبعه من توسع دائرة التوتر في المنطقة. فقد شهدت سوريا خلال تلك المرحلة تصاعداً في الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بإيران، بالتزامن مع استمرار الهجمات التركية على مناطق شمال وشرق سوريا، ما دفع مختلف القوى إلى إعادة ترتيب حساباتها السياسية والعسكرية.
وفي خضم هذه التحولات، انهار نظام البعث في الثامن من كانون الأول 2024 بعد هجوم قادته هيئة تحرير الشام انطلاقاً من حلب، الأمر الذي غيّر موازين القوى في البلاد، وأدخل سوريا في مرحلة سياسية جديدة. ومع تصاعد الحضور السياسي للإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، بدأت أطراف دولية، بينها الولايات المتحدة وفرنسا، بالدفع نحو فتح قنوات تفاوض مباشرة بين “قسد” ودمشق.
في المقابل، حاولت تركيا الاستفادة من التغيرات الجارية عبر تكثيف ضغوطها السياسية والعسكرية على مناطق الإدارة الذاتية، وسط مخاوف من تثبيت أي صيغة سياسية أو عسكرية تمنح الكرد دوراً رسمياً في مستقبل سوريا.
وشكّل نداء عبد الله أوجلان في شباط 2025 محطة مفصلية في هذا المسار، بعدما دعا إلى نقل القضية الكردية من ساحة الحرب إلى فضاء السياسة والحوار، مؤكداً ضرورة الوصول إلى حل ديمقراطي داخل سوريا. وبعد أسابيع من هذا النداء، وُقع اتفاق 10 آذار بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ورئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع، متضمناً ثمانية بنود أساسية شملت الجوانب العسكرية والسياسية والإدارية.
ورغم استمرار التهديدات التركية، بدأت خطوات تنفيذ الاتفاق تدريجياً، عبر تشكيل لجان مشتركة وعقد لقاءات بين مسؤولي الإدارة الذاتية والحكومة السورية في الحسكة وكوباني ودمشق. وبرز الملف العسكري بوصفه العنوان الأهم في العملية، خصوصاً ما يتعلق بإعادة تنظيم قوات سوريا الديمقراطية ضمن هيكلية جديدة، مع الحفاظ على وجودها في مناطقها.
وفي هذا السياق، جرى الاتفاق على تشكيل أربعة ألوية عسكرية، ثلاثة منها في منطقة الجزيرة وواحد في كوباني، بالتوازي مع إعادة تموضع القوات الأمنية والعسكرية في عدد من المناطق. كما شهدت المرحلة الأخيرة تعيين شخصيات بارزة من “قسد” ضمن مواقع عسكرية رسمية، من بينهم سيبان حمو معاوناً لوزير الدفاع للمنطقة الشرقية، وجيا كوباني نائباً لقائد الفرقة 60.
وعلى الأرض، ظهرت مؤشرات عملية على تقدم الاتفاق، أبرزها فتح الطرق الدولية بين الحسكة والرقة وحلب، وإقامة حواجز أمنية مشتركة، إضافة إلى تنفيذ عمليات تبادل أسرى بين الطرفين، شملت إطلاق سراح أكثر من ألف معتقل وأسير من الجانبين.
ورغم هذه الخطوات، لا تزال عدة ملفات عالقة، في مقدمتها مستقبل وحدات حماية المرأة “YPJ”، التي تطالب الإدارة الذاتية بالاعتراف الرسمي بها كقوة مستقلة ضمن الهيكلية العسكرية السورية، وهو ما ترفضه دمشق حتى الآن بحجة عدم وجود أساس قانوني لذلك.
كما تواجه العملية تحديات أخرى تتعلق بحجم النفوذ التركي، ومستوى الثقة بين الطرفين، فضلاً عن التخوفات الشعبية من إمكانية تراجع المكاسب السياسية والإدارية التي تحققت خلال السنوات الماضية في مناطق شمال وشرق سوريا.
وفي الشارع، تبدو الآراء متباينة؛ فبينما يرى كثيرون أن الحوار والاتفاق يمثلان فرصة لتجنب الحرب وضمان الاستقرار، يبدي آخرون خشيتهم من أن تتحول عملية الاندماج إلى وسيلة لإضعاف الإدارة الذاتية وتقليص صلاحياتها.
ومع استمرار الاجتماعات واللجان المشتركة، تبقى عملية الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية واحدة من أكثر الملفات حساسية في سوريا الجديدة، إذ لا ترتبط فقط بإعادة ترتيب القوى العسكرية، بل أيضاً بمستقبل شكل الدولة، وطبيعة العلاقة بين المكونات السورية، وإمكانية بناء نظام سياسي يضمن الشراكة والتمثيل المتوازن لجميع الأطراف.
ROZ PRESS NEWS