أخبار عاجلة

التـ.ـعليم في سوريا الجديدة..صـ.ـراع اللغـ.ـات يرسـ.ـم مـ.ـلامح الـ.ـدولة المقبـ.ـلة

بات ملف التعليم في سوريا واحداً من أكثر القضايا حساسية في المرحلة السياسية الجديدة، خصوصاً مع تصاعد النقاشات بين دمشق والإدارة الذاتية حول شكل المناهج ولغات التعليم ومستقبل المدارس والجامعات في البلاد. وبينما تتمسك الحكومة السورية بنظام تعليمي مركزي يعتمد اللغة العربية، تدفع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا نحو نموذج تعددي يعترف باللغات والثقافات المختلفة، وعلى رأسها اللغة الكردية.
وتعود جذور هذا الجدل إلى عقود طويلة من الصراع حول الهوية والثقافة الكردية في سوريا. فمنذ عام 1928، بدأ الكرد في روج آفا بالمطالبة بحق التعليم باللغة الكردية واستخدامها إلى جانب اللغة الرسمية، إلا أن تلك المطالب قوبلت بالرفض خلال فترة الانتداب الفرنسي، ثم استمرت سياسات التهميش بعد استقلال سوريا، وخاصة خلال حكم حزب البعث الذي تبنى سياسات التعريب والإنكار الثقافي.
وخلال تلك الفترة، مُنعت الأنشطة الثقافية والتعليمية الكردية، وتم تغيير أسماء العديد من المناطق والبلدات الكردية ضمن مشروع “الحزام العربي”. ورغم ذلك، واصل مثقفون وشخصيات كردية العمل سراً للحفاظ على اللغة والثقافة، من خلال المجلات والجمعيات الثقافية والدورات التعليمية غير الرسمية.
لكن التحول الأكبر جاء بعد عام 2012، مع انطلاق ثورة روج آفا وتأسيس الإدارة الذاتية، حيث انتقلت اللغة الكردية من نطاق العمل السري إلى المؤسسات الرسمية. ومنذ عام 2014، أصبحت اللغات الكردية والعربية والسريانية لغات رسمية في التعليم ضمن مناطق الإدارة الذاتية، وافتُتحت مئات المدارس والأكاديميات، إضافة إلى جامعات جديدة ومراكز لغوية وثقافية.
وبحسب بيانات هيئة التربية والتعليم في شمال وشرق سوريا، يوجد اليوم آلاف المدارس وأكثر من 800 ألف طالب وطالبة ضمن هذا النظام، الذي يعتمد مبدأ التعليم باللغة الأم وفق خصوصية كل منطقة ومكون سكاني.
في المقابل، ما تزال الحكومة المؤقتة ترى أن النظام التعليمي يجب أن يبقى مركزياً، وأن تكون اللغة العربية أساس العملية التعليمية في عموم البلاد. وخلال الاجتماعات الأخيرة بين دمشق والإدارة الذاتية، طُرحت مقترحات تقضي بإدراج اللغة الكردية كمادة اختيارية تُدرّس لساعات محدودة أسبوعياً، وهو ما تعتبره المؤسسات التربوية الكردية غير كافٍ ولا ينسجم مع مبدأ الاعتراف بالتعددية الثقافية.
وتؤكد الإدارة الذاتية أن القضية لا تتعلق باللغة الكردية فقط، بل ببناء نظام تعليمي يعكس تنوع سوريا القومي والديني والثقافي. لذلك، تطالب بأن يضمن الدستور حق جميع المكونات في التعلم بلغاتها الأم، مع اعتماد سياسات لغوية تشمل مختلف مجالات الحياة، من التعليم والإعلام إلى الثقافة والإدارة.
وتشهد الفترة الحالية سلسلة اجتماعات بين مسؤولي التربية في الحسكة ووفود من وزارة التربية السورية، لبحث مستقبل المناهج وإدارة المدارس والجامعات وآلية الامتحانات، إضافة إلى تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة هذا الملف.
ويرى مراقبون أن ملف التعليم أصبح اختباراً حقيقياً لشكل الدولة السورية المقبلة؛ فإما أن يقود إلى نموذج تعددي يعترف بالتنوع، أو يعيد إنتاج المركزية القديمة بصيغة جديدة. وفي ظل استمرار الحوار بين الطرفين، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت سوريا ستنجح في بناء نظام تعليمي يوحّد المجتمع عبر الاعتراف بتنوعه، أم ستبقى قضية اللغة والهوية إحدى أبرز نقاط الخلاف في مستقبل البلاد.

شاهد أيضاً

حسان فرج لروز برس: ضعـ.ـف سلطـ.ـة الحكـ.ـومة المـ.ـؤقتة والانقسـ.ـامات العسـ.ـكرية يهـ.ـددان استقـ.ـرار مناطق شمال سوريا

تواجه مناطق شمال سوريا الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية المؤقتة تحديات متزايدة على المستويات الأمنية والإدارية …