مرّ عقد كامل على تأسيس قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي أصبحت اليوم لاعبًا رئيسيًا في المشهد السوري، لا سيما في شمال وشرق سوريا. عشر سنوات من النضال والجهود المتواصلة، شكّلت خلالها هذه القوات نموذجًا لإدارة أمنية وعسكرية واجتماعية معقدة في مناطق متنوعة من سوريا، في ظل ظروف أمنية وسياسية صعبة للغاية.
منذ تأسيسها، حرصت قسد على تقديم نفسها كقوة مدنية-عسكرية تحمي الإنسان والحياة اليومية للمواطنين، بعيدًا عن التجاذبات السياسية التقليدية، مركزّة على الأمن والاستقرار وحقوق الإنسان. وقد ساهمت في بناء مؤسسات محلية تقدم الخدمات الأساسية، من الصحة والتعليم إلى إعادة الإعمار ودعم الاقتصاد المحلي، ما أعطاها صبغة فريدة في إدارة مناطقها، مقارنة بمناطق أخرى تعاني من الفوضى وانعدام الاستقرار.
التحديات التي واجهتها قسد لم تكن قليلة، فقد عاشت مناطقها تهديدات مستمرة من الجماعات المسلحة، والضغوط الدولية، والتدخلات الإقليمية، لكن هذه القوات استطاعت أن تصنع توازنًا بين الدفاع عن أراضيها والحفاظ على النسيج الاجتماعي المحلي. كما لعبت دورًا مهمًا في مكافحة الإرهاب، وكانت شريكًا محوريًا للتحالف الدولي في القضاء على تنظيم داعش، الأمر الذي أكسبها اعترافًا دوليًا جزئيًا، رغم التعقيدات السياسية التي أحاطت بسوريا بشكل عام.
على الصعيد الداخلي، حاولت قسد ترسيخ قيم العدالة والمساواة بين جميع مكونات المجتمع في مناطقها، من خلال تعزيز مشاركة المرأة في الحياة السياسية والعسكرية، وإقامة مؤسسات تشريعية محلية، وتحفيز الحوار المجتمعي بين مختلف القوميات والطوائف. هذا التركيز على الحقوق والحريات، وإن كان محدودًا نسبيًا في ظل الظروف الأمنية، يبرز الطموح المستمر لبناء نموذج حكم يحترم كرامة الإنسان ويصون حقوقه الأساسية.
قسد تظل قوة محورية أثبتت قدرتها على الصمود والتنظيم، وتحقيق إنجازات ملموسة في المجالات الأمنية والخدمية والاجتماعية. خبرتها في إدارة المناطق المحررة ومواجهة التحديات الأمنية، إلى جانب التزامها الجزئي بالقوانين المحلية والدولية، يجعلها أحد الأطراف المؤثرة في رسم مستقبل سوريا، على الأقل في شمال وشرق سوريا.
مع مرور عشر سنوات، لا يمكن فصل مسيرة قسد عن مأساة سوريا الطويلة، فهي انعكاس للمعاناة والأمل معًا، صراع ومثابرة، تحديات وإنجازات. إن قراءة هذه التجربة بعين ناقدة ومستقلة تظهر كيف يمكن لقوة محلية أن تتحول إلى عامل حماية واستقرار، وتقدم وعدًا للوطن بأن الكرامة الإنسانية ليست شعارًا فحسب، بل قيمة يمكن الدفاع عنها حتى في أصعب الظروف.
العقد الأول لقسد ليس مجرد تاريخ عسكري، بل قصة نضال مجتمع كامل يسعى لبناء وطن يحترم الإنسان ويصون حقوقه. عشر سنوات من العمل المستمر والتضحيات التي لم تتوقف، والتي تؤكد أن الحلم بسوريا آمنة ومستقرة، وإن بدا بعيدًا، يبقى ممكن التحقيق من خلال التصميم، والالتزام بالكرامة، والإصرار على بناء مؤسسات قوية تحمي الإنسان قبل أي شيء آخر.
ROZ PRESS NEWS