تواجه مساعي إعادة دمج القطاع المالي السوري في النظام المالي العالمي سلسلة من التحديات والعقبات المعقدة، في ظل استمرار حالة الشك الدولي إزاء قدرة دمشق على تطبيق معايير الشفافية ومكافحة الفساد وغسل الأموال. فعلى الرغم من الجهود التي تبذلها سلطة برئاسة أحمد الشرع لإحياء النظام المصرفي وفتح قنوات التعامل مع الخارج، فإن تلك المساعي تصطدم بجدار من المخاوف السياسية والاقتصادية والتنظيمية.
ووفق تقرير نشرته صحيفة “ذا ناشيونال”، لا يزال النظام المصرفي السوري يعاني من تداعيات الحرب الطويلة التي أنهكت البنية التحتية الاقتصادية والمالية، إلى جانب الأثر العميق لانهيار القطاع المالي اللبناني الذي كان بمثابة الرئة الخارجية للمصارف السورية لعقود. وبسبب ضعف الإجراءات الرقابية وغياب الشفافية، بقيت سوريا على القائمة الرمادية ضمن مجموعة العمل المالي (FATF)، ما يحدّ من قدرتها على إجراء التحويلات الدولية أو جذب الاستثمارات الأجنبية.
من جهتها، ذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” أن العقبات لا تقتصر على العقوبات أو نقص التمويل، بل تمتد إلى البيروقراطية العميقة الموروثة من نظام البعث، وغياب سيادة القانون، ما يجعل من الصعب تحويل مذكرات التفاهم الموقعة مع دول وشركات أجنبية إلى مشاريع استثمارية حقيقية. ورغم أن بعض العقوبات الاقتصادية قد رُفعت جزئياً، إلا أن المؤسسات الدولية والمستثمرين لا يزالون يواجهون بيئة محفوفة بالمخاطر القانونية والسياسية.
ووفق بيانات البنك الدولي، فإن الاقتصاد السوري يسجل نمواً لا يتجاوز 1% سنوياً، فيما يعيش نحو ثلثي السكان تحت خط الفقر، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى النصف مقارنة بعام 2010. هذه المؤشرات، إلى جانب التضخم المستمر وارتفاع أسعار المواد الأساسية، تجعل أي خطة لإعادة الإعمار محدودة الأثر ما لم تُصاحب بإصلاحات مالية وإدارية جذرية.
ويواجه القطاع المصرفي السوري أزمة ثقة مزدوجة؛ فمن جهة يعجز عن منح القروض للمستثمرين المحليين بسبب شح السيولة وضعف الضمانات، ومن جهة أخرى يفتقر إلى الثقة الدولية اللازمة لاستقطاب رؤوس الأموال من الخارج. كما أن عودة بعض الصناعيين إلى البلاد تصطدم بعقبات كبيرة، أبرزها المنافسة الشرسة من السلع التركية والصينية التي تغرق الأسواق بأسعار منخفضة.
وتشير مصادر اقتصادية إلى أن ملف الاستثمار يعاني من هيمنة مجلس اقتصادي مقرب من شقيق أحمد الشرع، وهو شريك سابق في “هيئة تحرير الشام”، يُتهم بالتحكم غير الشفاف في منح التراخيص والعقود الاستثمارية، ما يزيد من تعقيد المشهد ويثير شكوك المؤسسات المالية الدولية بشأن جدية الإصلاح.
في المحصلة، تبدو محاولات إعادة دمج الاقتصاد السوري في المنظومة المالية العالمية مرهونة بإجراءات إصلاح حقيقية تضمن الشفافية والمساءلة، وتعيد بناء الثقة مع المؤسسات الدولية. وحتى ذلك الحين، سيبقى القطاع المالي السوري محاصراً بين طموحات الانفتاح ومخاوف الفساد، في اقتصاد ما زال يعاني من آثار عقدٍ كامل من الحرب والعزلة.
ROZ PRESS NEWS