تبرز الديمقراطية كخيار رئيسي لمعالجة الأزمة السورية، خاصة في ظل التعددية العرقية والدينية والثقافية في البلاد. وقد برزت مفاهيم الإدارة الذاتية والديمقراطية الإقليمية والاستقلال الذاتي كأبرز النماذج التي تعكس هذا التنوع. فبينما أعلنت مناطق شمال وشرق سوريا عن تطبيق نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية، أظهرت السويداء رغبتها في الاستقلال الذاتي والفيدرالية، كما طالبت مكونات الساحل السوري بتطبيق الإدارة الذاتية، في المقابل، تواصل سلطة دمشق فرض نظام مركزي تقليدي يعتمد على الدين كأساس للحكم.
تاريخياً، يعود أصل مفهوم الديمقراطية إلى اليونان القديمة، حيث شكّل حكم الشعب أساس إدارة شؤون المدن. ويُشتق مصطلح الديمقراطية من كلمتين يونانيتين، “Demos” أي الشعب، و”Kratos” أي السلطة أو الإدارة، ما يعطي معنى حكم الشعب. إلا أن جذور الحكم الذاتي تعود إلى المجتمعات القبلية الأولى في منطقة ميزوبوتاميا، حيث بدأت عمليات التنشئة الاجتماعية والإدارية في القبائل والعشائر، والتي شكلت أنموذجاً أولياً لمبادئ الديمقراطية، رغم غياب المصطلح في تلك الفترة.
في أثينا، تطورت الديمقراطية لتصبح نظاماً يعتمد على مشاركة المواطنين الذكور البالغين في مجلس المدينة، المعروف باسم “الاكيلازيا”، بينما لم يكن للنساء والعبيد دور في العملية السياسية. أما في الجمهورية الرومانية، فقد تجسّدت الديمقراطية التمثيلية، إذ مثل المواطنون طبقاتهم عبر ثلاثة مجالس رئيسية: مجلس الشيوخ، مجلس الشعب، ومجلس القضاة، قبل أن يحلّ نظام الإمبراطورية الرومانية محل الجمهورية.
وعبر العصور، وخصوصاً خلال عصر التنوير، شهدت الديمقراطية تطوراً فكرياً كبيراً. قدّم مفكرون مثل مونتسكيو وروسو ولوك تفسيرات جديدة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما شهدت أمريكا تطوراً عملياً عبر إعلان الاستقلال عام 1776 الذي أكد المساواة وحقوق الحياة والحرية والسعي وراء السعادة. كذلك جاء الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن عام 1789 كخطوة مهمة لترسيخ مبادئ الديمقراطية، عبر تنظيم الحقوق والانتخابات والإعلام والحريات العامة.
مع تطور الفكر السياسي، ظهرت عدة أشكال للديمقراطية، منها المباشرة، شبه المباشرة، والتمثيلية، كما برزت الديمقراطية الليبرالية، الاجتماعية، التشاركية والبرلمانية. وتنوعت التجارب بين الدول الرأسمالية، حيث تطبق الديمقراطية التمثيلية وفق المبادئ الليبرالية، والدول الاشتراكية، التي اعتمدت غالباً أنظمة جمهورية وبرلمانية وفيدرالية، مع اختلافات في أساليب التطبيق.
تُعدّ كومونة باريس مثالاً بارزاً على الديمقراطية المباشرة، إذ وزعت المدينة إلى لجان إدارية طبّقت قرارات اللجنة المركزية، مع تحقيق العدالة والمساواة وإلغاء الجيش الدائم ونقل إدارة المصانع إلى العمال، ما جعل التجربة نموذجاً فريداً للحكم الذاتي الشعبي.
في شمال وشرق سوريا، بدأت تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية بعد ثورة 19 تموز 2012، واعتمدت فلسفة القائد عبد الله أوجلان. تم تأسيس هذا النظام على أسس التمثيل العادل للقوميات والمعتقدات والثقافات، مع اعتماد اللغات العربية والكردية والسريانية كلغات رسمية، وتطبيق نظام الرئاسة المشتركة بنسبة تمثيل متساوية بين الرجل والمرأة، بالإضافة إلى تحديد العقود الاجتماعية للإدارة والتعليم والصحة والخدمات والاقتصاد والثقافة والشؤون الدينية. ومع توسع مناطق الإدارة الذاتية بعد هزيمة تنظيم داعش، تم تعديل العقد الاجتماعي وإعلان إقليم شمال وشرق سوريا وفق هيكلية جديدة تضم سبع مقاطعات، بما يضمن استدامة نموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية.
وقد أثرت تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا بشكل كبير على السياسة الإقليمية والدولية، حيث يُنظر إليها كنموذج بديل للتمركزية، مع التركيز على الديمقراطية وحقوق المكونات المحلية. وتستمر المفاوضات بين الإدارة الذاتية وسلطة دمشق حول تطبيق هذا النموذج في إطار الحل السياسي السوري، مع التأكيد على أهمية الاستقلال الذاتي كحل أمثل لضمان مشاركة جميع المكونات السورية في الحكم وتطوير المجتمع بما يتماشى مع قيم العدالة والمساواة والحقوق الإنسانية.
يبرز نموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا كمختبر لتطبيق الحداثة الديمقراطية، بما يجمع بين الحكم الذاتي المحلي والمشاركة المجتمعية، بعيداً عن استحواذ الدولة على السلطة، ويقدم رؤية قابلة للتطبيق على مناطق أخرى في سوريا، مع الحفاظ على التنوع والتعددية كركيزة أساسية لأي حل مستدام للأزمة السورية.
ROZ PRESS NEWS