أخبار عاجلة

جـ.ـبل الـ.ـشيخ عـ.ـقيل..شـ.ـاهد على سـ.ـياسات الاحتـ.ـلال التركي ومـ.ـعاناة أهالي مدينة الباب

تُعدّ مدينة الباب من أكبر مدن شمال غرب سوريا، وتتميز بتركيبتها السكانية المتنوعة التي تضم مكونات عربية وكردية وتركمانية، ما منحها عبر تاريخها طابعاً اجتماعياً متماسكاً. وتقع المدينة على مسافة نحو 35 كيلومتراً شمال شرق مدينة حلب، ونحو 30 كيلومتراً جنوب الحدود السورية ـ التركية، ما أكسبها أهمية جغرافية واستراتيجية خاصة.
بُنيت مدينة الباب على السفح الشرقي لجبل الشيخ عقيل، الذي يُعد أحد أبرز معالمها الطبيعية والتاريخية، ويحمل رمزية كبيرة لدى سكانها. وعلى سفح هذا الجبل، يقع حي سكني يضم قرابة 100 منزل، يُعرف سكانه محلياً باسم “الجبليين”، نسبة إلى موقع مساكنهم المرتفعة. غير أن هذا الجبل، الذي كان يوماً جزءاً من ذاكرة المدينة وملاذاً لأهلها، تحوّل منذ عام 2017 إلى رمز لمعاناة متواصلة.
في 11 شباط 2017، سيطر جيش الاحتلال التركي وفصائل موالية له على مدينة الباب، لتبدأ مرحلة جديدة من الانتهاكات، كان أبرزها ما طال حي جبل الشيخ عقيل. فبعد السيطرة على المدينة، أقدمت القوات التركية على تجريف الحي بشكل كامل، بما في ذلك منازل الأهالي ومشفى معروف باسم “مشفى الجبل”، إلى جانب عدد من المؤسسات الخدمية. وبلغ عدد المنازل التي دُمّرت قرابة 100 منزل، غالبيتها مبنية على الطراز الريفي، وتصل مساحة بعضها إلى نحو 300 متر مربع، بما تحتويه من ممتلكات وأغراض خاصة.
وبرّر الاحتلال التركي هذه الخطوة بذريعة وجود قوات النظام السوري السابق في مدينة تادف القريبة، معتبراً أن إنشاء قاعدة عسكرية على قمة الجبل يأتي في إطار “الضمان” لتنفيذ اتفاق خفض التصعيد الموقع في 4 أيار 2017 بين روسيا وإيران وتركيا. إلا أن هذه الذريعة سرعان ما فقدت مصداقيتها، لا سيما مع استمرار القصف الذي تعرضت له المدينة من قبل قوات النظام السابق، وسط اتهامات للأهالي بأن القوات التركية اكتفت بالمراقبة، بل وقامت في بعض الأحيان باعتقال قادة فصائل محلية حاولت الرد على مصادر القصف.
ومع مرور الوقت، تصاعدت احتجاجات الأهالي، مطالبين بإعادة منازلهم وتعويضهم عن الخسائر التي لحقت بهم، إضافة إلى خروج القوات التركية من أراضيهم. وفي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، قدمت المجالس المحلية التابعة للاحتلال وعوداً متكررة بتعويض المتضررين، إلا أنها بقيت دون تنفيذ فعلي. وتحت ضغط الأهالي، تم منح بعض المتضررين أراضٍ بديلة للبناء، دون أي تعويض عن الهدم، وهو ما قوبل برفض واسع، فيما اضطر آخرون للقبول به نتيجة الظروف المعيشية الصعبة.
غير أن الصدمة الأكبر ظهرت لاحقاً، بعد سقوط النظام السابق وتمكن الأهالي من الاطلاع على الوثائق العقارية، حيث تبين أن الأراضي الممنوحة لهم تعود في الأصل لمديرية الأوقاف في حلب، ما يجعل البناء عليها مخالفاً للقوانين، ويضع الأهالي أمام إشكال قانوني جديد.
وتوجه المتضررون بشكاواهم إلى إدارة منطقة الباب التابعة لسلطة دمشق، إلا أن الرد جاء مخيباً للآمال، وفق وصف الأهالي، بعدما طُلب منهم مراجعة وزارة الخارجية السورية، في خطوة اعتُبرت تمييعاً للقضية وخضوعاً للأمر الواقع الذي تفرضه القوات التركية.
وفي هذا السياق، خرج أهالي مدينة الباب في مظاهرة حاشدة يوم الجمعة 19 كانون الأول الجاري، مطالبين بخروج قوات الاحتلال التركي من المدينة وريفها، وتعويضهم عن ممتلكاتهم المدمرة. وتزامنت هذه التحركات مع استمرار وجود قواعد عسكرية تركية في المنطقة، أبرزها قاعدة جبل الشيخ عقيل وقاعدة الزرزور شرق المدينة.
ولا تقتصر معاناة سكان الباب على قضية الجبل فقط، إذ تشير تقارير محلية إلى وجود مئات المنازل والعقارات التي استولت عليها فصائل موالية للاحتلال، في ظل اتهامات جاهزة تُوجَّه لكل من يحاول المطالبة بحقه. وفي المقابل، لم تُسجَّل سوى حالات محدودة جداً لإعادة بعض الممتلكات.
وتبقى مظاهر السيطرة التركية واضحة في تفاصيل الحياة اليومية داخل المدينة، من الأعلام واللافتات التركية، إلى استخدام العملة التركية في المعاملات. وفي الوقت نفسه، أدى وقف الدعم المالي التركي للمؤسسات المحلية، إلى تفاقم الأزمات، حيث لا يزال موظفو القطاعات الخدمية دون رواتب منذ أشهر، وهو ما يراه الأهالي سياسة ضغط ممنهجة تهدف إلى تكريس واقع الاحتلال وإضعاف أي محاولة لاستعادة القرار المحلي في المدينة.

شاهد أيضاً

كـ.ـارثة الفرات تتـ.ـفاقم..غـ.ـرق منازل ونـ.ـزوح آلاف العائلات دون تـ.ـدخل حـ.ـكومي

تواجه مناطق واسعة على ضفاف نهر الفرات في محافظتي دير الزور والرقة أوضاعاً إنسانية صعبة …