في خضم انشغال المجتمع الدولي بتصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية على إيران، تتجه الأنظار إلى تحركات تركيا في شمالي العراق وسوريا، وسط تساؤلات حول طبيعة هذه التحركات وأهدافها بعيدة المدى. فبينما تُقدَّم العمليات العسكرية التركية باعتبارها إجراءات أمنية مرتبطة بملف الحدود ومكافحة الإرهاب، يرى مراقبون أنها تندرج ضمن رؤية استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب موازين القوى في روج آفا وإقليم كردستان.
تُعد منطقة شنكال، بما تحمله من رمزية لدى الإيزيديين بعد أحداث عام 2014، نقطة ارتكاز في أي معادلة أمنية شمالي العراق. كما يمثل مخيم مخمور بُعداً سياسياً وأمنياً حساساً نظراً لتركيبته السكانية وموقعه الجغرافي. وتشير تحليلات إلى أن أي تحرك عسكري أو أمني في هاتين المنطقتين لا يمكن فصله عن سياق أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل البنية الدفاعية الكردية هناك.
بالنسبة لمنتقدي أنقرة، فإن الضغط باتجاه نزع سلاح الفصائل المحلية أو إعادة ترتيب الوضع الأمني في شنكال ومخمور قد يفتح الباب أمام فراغ أمني جديد، ما يثير مخاوف من تكرار سيناريوهات عدم الاستقرار. في المقابل، تؤكد تركيا أن وجود جماعات مسلحة تعتبرها تهديداً لأمنها القومي يبرر استمرار عملياتها العابرة للحدود.
في الجانب السوري، تبرز أهمية معبر سيمالكا القريب من مدينة ديريك، باعتباره شرياناً حيوياً يربط مناطق شمال شرق سوريا بإقليم كردستان. ويرى محللون أن أي تضييق على هذا المعبر أو على ما يُعرف جغرافياً بـ”منقار البطة” قد يؤدي إلى تقليص هامش الحركة الاقتصادية والسياسية بين الكرد في العراق وسوريا.
وتتحدث تقارير عن مشاريع طرق أو ممرات تجارية محتملة تربط منطقة أوفاكوي التركية بمدينة تلعفر العراقية، بما يعيد رسم خطوط التواصل التجاري والأمني بعيداً عن المسارات التقليدية التي تمر عبر الإقليم. أنصار هذا الطرح يعتبرون أن الهدف يتجاوز البعد الاقتصادي، ليصل إلى إعادة هندسة التوازنات السكانية والسياسية على طول الشريط الحدودي.
يبقى الملف الأكثر حساسية مرتبطاً بالوضع الدستوري لإقليم كردستان داخل العراق. فإقليم كردستان يتمتع بوضع فيدرالي منصوص عليه في الدستور العراقي، وتشكّل قوات البيشمركة إحدى ركائز أمنه الداخلي. ويخشى بعض السياسيين من أن أي تعديلات دستورية أو ترتيبات أمنية جديدة قد تضعف من خصوصية الإقليم أو تعيد تعريف صلاحياته.
في المقابل، ترى أطراف عراقية أن تعزيز سلطة الحكومة الاتحادية في الملفات الأمنية والحدودية ضرورة لحماية السيادة الوطنية ومنع التدخلات الإقليمية. وبين هذين الموقفين، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة بغداد وأربيل على التوصل إلى صيغة توازن تحمي الفيدرالية من جهة، وتراعي الهواجس الأمنية الإقليمية من جهة أخرى.
التحركات التركية في شمالي العراق وسوريا تأتي في سياق إقليمي متشابك، تتداخل فيه حسابات الأمن القومي مع الصراعات الجيوسياسية. وبينما تؤكد أنقرة أن عملياتها تستهدف حصراً ما تصفه بالتهديدات الإرهابية، يقرأ خصومها المشهد باعتباره مشروعاً طويل الأمد لإعادة صياغة الخارطة السياسية في المناطق ذات الغالبية الكردية.
في ظل هذا التعقيد، يبدو أن مستقبل روج آفا وإقليم كردستان العراق سيتحدد بقدرة الفاعلين المحليين على إدارة خلافاتهم الداخلية، وبمدى نجاحهم في بناء تفاهمات مع بغداد والقوى الإقليمية. أما المجتمع الدولي، المنشغل بأزمات متعددة، فيجد نفسه أمام اختبار جديد: هل يكتفي بمتابعة التطورات، أم يتدخل لضبط إيقاع صراع قد تتجاوز تداعياته حدود المنطقة؟
ROZ PRESS NEWS