في مشهد إقليمي بالغ التعقيد، برزت زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق في نيسان 2026 كحدث سياسي يتجاوز طابعه الدبلوماسي التقليدي، ليعكس تحولات أعمق في موازين القوى داخل سوريا والمنطقة. فالزيارة، الأولى من نوعها منذ استئناف العلاقات بين كييف ودمشق عام 2025، جاءت في سياق إقليمي متغير، أعاد رسم خريطة النفوذ بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024.
لم تكن دمشق مجرد محطة في جولة شرق أوسطية للرئيس الأوكراني، بل تحولت إلى ساحة اختبار لمشاريع سياسية وأمنية متشابكة، في ظل فراغ استراتيجي تعيشه البلاد منذ بداية المرحلة الانتقالية. هذا الفراغ فتح الباب أمام قوى إقليمية ودولية لمحاولة تثبيت مواقعها، وعلى رأسها تركيا، التي باتت لاعباً رئيسياً في توجيه مسار العلاقات الخارجية السورية.
منذ انهيار السلطة السابقة، دخلت سوريا مرحلة من السيولة السياسية، تميزت بتعدد مراكز القرار وتزايد التدخلات الخارجية. ومع تشكيل الإدارة الجديدة مطلع 2025، بدأت البلاد تشهد انفتاحاً دبلوماسياً سريعاً، مدفوعاً بحاجات متبادلة بين دمشق وشركائها الجدد، أكثر من كونه نتيجة استقرار داخلي فعلي.
في هذا السياق، حملت زيارة زيلينسكي دلالات تتجاوز اللقاءات الرسمية، خاصة مع تزامنها مع حضور وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ومشاركته في لقاء ثلاثي مع الجانب السوري والأوكراني. هذا الحضور لم يكن بروتوكولياً، بل عكس دور أنقرة المتصاعد في إدارة التوازنات داخل سوريا، حيث باتت تتحكم بشكل كبير في سقف التفاهمات السياسية والأمنية.
أعلن زيلينسكي عقب الزيارة عن اتفاق لتعزيز التعاون الأمني وتبادل الخبرات العسكرية مع دمشق، وهي خطوة تحمل في ظاهرها طابعاً تقنياً، لكنها في جوهرها تشير إلى مشروع أوسع. فـ أوكرانيا، التي راكمت خبرات عسكرية كبيرة منذ اندلاع الحرب مع روسيا عام 2022، تسعى إلى تصدير هذه الخبرات كأداة نفوذ سياسي.
وفي الحالة السورية، يتجاوز هذا التعاون حدود التدريب، ليصل إلى محاولة إعادة بناء البنية العسكرية، خاصة في ظل غياب منظومات دفاع جوي فعالة حتى عام 2026. هذا الواقع يجعل سوريا ساحة مفتوحة لتجارب عسكرية وتكتيكات حديثة، قد تخدم في الوقت ذاته أهدافاً تتعلق بإضعاف النفوذ الروسي في المنطقة.
لا يمكن فهم هذه التحركات دون التوقف عند الدور التركي، الذي لم يعد يقتصر على الوجود العسكري، بل امتد ليشمل التأثير السياسي والاقتصادي. فأنقرة، التي عززت حضورها منذ عام 2016، استثمرت حالة الفراغ بعد 2024 لتكريس نفوذها كطرف أساسي في صياغة القرار السوري.
وتشير معطيات دبلوماسية إلى أن جزءاً من التفاهمات بين كييف ودمشق تم عبر قنوات تركية مسبقة، ما يعني أن ما ظهر في العلن ليس سوى انعكاس لتفاهمات أوسع. وبذلك، أصبحت تركيا بوابة إلزامية لأي انفتاح خارجي على سوريا، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي.
بعيداً عن التصريحات الرسمية، تحمل الزيارة أبعاداً اقتصادية مهمة، أبرزها ملف الأمن الغذائي. فقد عرضت أوكرانيا تزويد سوريا بالحبوب، مستفيدة من مكانتها كأحد أكبر المنتجين عالمياً، في محاولة لتعويض خسائرها الناتجة عن الحرب.
في المقابل، تحتاج سوريا إلى مصادر مستقرة للغذاء بعد تراجع إنتاجها الزراعي بشكل كبير. غير أن هذا التعاون لا يتم بمعزل عن الحسابات الإقليمية، حيث تلعب تركيا دوراً محورياً في تنظيم خطوط الإمداد، ما يمنحها نفوذاً إضافياً على الاقتصاد السوري.
من أبرز الأهداف غير المعلنة للزيارة، تقليص الدور الروسي في سوريا. فـ روسيا، التي حافظت على وجود عسكري منذ 2015، تواجه تحديات متزايدة مع انشغالها في الحرب الأوكرانية. وتسعى كييف إلى استثمار هذا الانشغال لخلق واقع جديد يقلص اعتماد دمشق على موسكو.
هذا التوجه يلتقي مع المصالح التركية، التي تسعى بدورها إلى تقليص النفوذ الروسي، ما يجعل التعاون بين أنقرة وكييف في هذا الملف أمراً منطقياً ضمن إعادة ترتيب موازين القوى.
تثير هذه التطورات تساؤلات حول مدى استقلالية القرار السوري في المرحلة الحالية. فمعظم التحركات السياسية والدبلوماسية تتم ضمن تنسيق واضح مع تركيا، ما يعكس نمطاً جديداً من إدارة الدولة، يعتمد على توازنات خارجية أكثر من اعتماده على قرار داخلي مستقل.
في المحصلة، تبدو زيارة زيلينسكي إلى دمشق أكثر من مجرد حدث دبلوماسي، بل مؤشر على دخول سوريا مرحلة جديدة من إعادة التموضع الإقليمي. مرحلة تتقاطع فيها المصالح الدولية، وتتحول فيها البلاد إلى ساحة تنافس مفتوحة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية بالاقتصادية.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز تركيا كفاعل رئيسي يمسك بخيوط اللعبة، في وقت لم تستعد فيه سوريا بعد قدرتها الكاملة على رسم مسارها السياسي بشكل مستقل.
ROZ PRESS NEWS