أعاد توقيف المتورط في “مجزرة التضامن” فتح نقاش واسع حول آليات العدالة في التعامل مع ملفات الانتهاكات الجسيمة التي وقعت خلال السنوات الماضية، خصوصاً في ظل تصاعد الحديث عن ما يُوصف بـ“العدالة الانتقائية” وحدودها القانونية والأخلاقية، وانعكاساتها على ثقة المجتمع بمسار المحاسبة.
وجاء توقيف أمجد يوسف، أحد الأسماء المرتبطة بالقضية، ليُقابل بارتياح لدى شريحة من الأهالي والناجين وذوي الضحايا، باعتباره خطوة متأخرة لكنها ضرورية في اتجاه كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين. غير أن هذا التطور، رغم أهميته، لم يُنهِ الجدل، بل أعاد طرح أسئلة أعمق تتعلق بمدى شمولية الإجراءات القضائية، وما إذا كانت تطال جميع المتورطين دون استثناء، أم أنها تقتصر على أفراد بعينهم دون غيرهم.
ويرى مراقبون أن الاقتصار على أسماء محددة في قضايا بهذا الحجم قد يفتح الباب أمام اتهامات بتسييس العدالة أو توجيهها وفق اعتبارات غير قانونية، وهو ما قد يضعف من مصداقية أي مسار قضائي مستقبلي. وفي المقابل، يؤكد آخرون أن بدء الإجراءات بحق أي متورط يُعد خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، حتى لو جاءت بشكل تدريجي، شريطة أن تستكمل لاحقاً لتشمل جميع المسؤولين عن الانتهاكات دون استثناء.
وتبرز في هذا السياق إشكالية “العدالة الانتقائية”، وهي مفهوم يُستخدم لوصف حالات يتم فيها تطبيق القانون على بعض الأفراد دون غيرهم في قضايا مشابهة، الأمر الذي يثير مخاوف من تحول العدالة إلى أداة غير متوازنة، بدلاً من أن تكون مرجعاً شاملاً للمحاسبة والمساواة أمام القانون.
كما تزايدت الدعوات الحقوقية المطالبة بضرورة توسيع نطاق التحقيقات، وضمان استقلالية الجهات القضائية، وإبعادها عن أي ضغوط سياسية أو أمنية، بما يضمن عدم تكرار حالات الإفلات من العقاب التي لطالما شكلت أحد أبرز التحديات في ملفات النزاعات المعقدة.
وفي هذا الإطار، يشدد حقوقيون على أن العدالة لا تكتمل بمجرد توقيف شخص أو مجموعة من الأشخاص، بل تتطلب منظومة متكاملة تبدأ بكشف الحقيقة كاملة، مروراً بتحديد المسؤوليات بدقة، وصولاً إلى محاكمات شفافة تضمن حقوق جميع الأطراف، بما في ذلك الضحايا والمتهمين على حد سواء.
من جهة أخرى، يرى بعض المحللين أن إعادة فتح هذا الملف قد تحمل أبعاداً سياسية وقانونية متداخلة، خصوصاً في ظل حساسية السياق الذي وقعت فيه الانتهاكات، ما يجعل من مسألة المحاسبة عملية معقدة تحتاج إلى توازن دقيق بين العدالة والاستقرار، دون أن يكون ذلك مبرراً لتجاهل الجرائم أو تقليص نطاق المساءلة.
وبينما يستمر الجدل حول حدود هذه الإجراءات، يبقى مطلب العدالة الشاملة حاضراً بقوة في الخطاب العام، باعتباره شرطاً أساسياً لأي عملية مصالحة أو استقرار مستقبلي. فغياب المحاسبة المتكاملة، بحسب ناشطين، قد يؤدي إلى ترسيخ الشعور بعدم المساواة، ويُضعف الثقة بالمؤسسات القضائية، ويترك آثاراً طويلة الأمد على النسيج الاجتماعي.
وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن ملف “مجزرة التضامن” لم يُغلق بعد، بل دخل مرحلة جديدة من النقاشات القانونية والحقوقية، التي ستحدد في جزء كبير منها شكل العدالة في المرحلة المقبلة، ومدى قدرتها على تجاوز الانتقائية نحو مسار أكثر شمولية وشفافية.
ROZ PRESS NEWS